
1919 –
حتى الآن
الاتحاد السوفيتي
القضاء على الأمية
بعد ثورة عام 1917، واجهت الدولة السوفيتية مشكلة حادة هي الأمية الجماهيرية. ووفقاً لتعداد عام 1897، كان قرابة 24 في المئة فقط من سكان الإمبراطورية يجيدون القراءة والكتابة، وفي بعض المناطق كان المؤشر منخفضاً بشكل حرج. وكان البلاشفة يعدّون القضاء على الأمية مهمة ذات أهمية سياسية واقتصادية قصوى. فمن دون سكان مثقفين، كان من المستحيل بناء صناعة حديثة. ولهذا السبب، انطلقت في السنوات الأولى للسلطة السوفيتية حملةٌ واسعة النطاق، عُرفت باسم «ليكبيز» (القضاء على الأمية). وفي 26 ديسمبر 1919، وُقّع مرسوم مجلس مفوضي الشعب لجمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية «بشأن القضاء على الأمية بين سكان جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية». وألزم المرسوم جميع السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و50 عاماً بتعلم القراءة والكتابة.
لتنفيذ هذه المهمة، أُنشئت شبكة خاصة من المدارس ومراكز «ليكبيز». واستُقطب جميع المتعلمين، بمن فيهم المعلمون والطلاب، للتدريس. وكان التدريس يُقدَّم في الغالب في المساء، حتى لا يُبعَد البالغون عن الإنتاج. وكان التمويل يُوفَّر من الميزانية، وكانت الكتب المدرسية تُوزَّع مجاناً.
اتخذت الحملةُ طابعاً وطنياً. وبحلول منتصف الثلاثينيات، أُنجزت المهام الرئيسية لـ«ليكبيز». وبينما كانت نسبة المتعلمين عام 1926 نحو 56 في المئة، ارتفع هذا المؤشر عام 1939 إلى 87 في المئة. وبحلول عام 1959، كانت الأمية في الاتحاد السوفيتي قد أُزيلت عملياً بشكل كامل. وأصبح هذا أحد أبرز الإنجازات الاجتماعية للسلطة السوفيتية.
لم تتوقف الدولة عند تعليم القراءة والكتابة فحسب، بل بدأت في بناء تعليم منهجي. ففي عام 1930، طُبق التعليم الابتدائي الإلزامي الشامل. وكان على كل طفل أن يُكمل أربعة صفوف على الأقل من المدرسة. وفي حقبة ما بعد الحرب، استمر النظام في التطور. وفي الخمسينيات، تم الانتقال إلى التعليم الإلزامي الشامل لسبع سنوات. وركّز الإصلاح المدرسي عام 1958 على ربط المدرسة بالحياة، وأدخل عناصر التعليم البوليتكنيكي. وبحلول السبعينيات، تم إدخال التعليم الثانوي الشامل، أي إكمال 10 صفوف، في معظم الجمهوريات الاتحادية. وكانت المناهج موحّدة في جميع أنحاء البلاد. وكان التعليم مجانياً في جميع المراحل.
إلى جانب التعليم المدرسي، تطوّر نظام التعليم العالي والثانوي المتخصص بسرعة. كانت الحكومة السوفيتية بحاجة إلى مهندسين وعلماء مؤهلين. ولإعداد شباب العمال للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي، أُنشئت كليات العمال (رابفاكي). فقد أتاحت للأشخاص الذين لا يحملون شهادة تعليم ثانوي كامل تلقي إعدادٍ والالتحاق بالجامعة. وفي العشرينيات والثلاثينيات، أُعطيت الأولوية للتخصصات التقنية، وهو ما يتوافق مع مهام التصنيع. ونما عدد مؤسسات التعليم العالي والطلاب بوتيرة متسارعة. وبينما كان لدى الإمبراطورية الروسية عام 1914 نحو 100000 طالب، تجاوز عددهم عام 1980 في الاتحاد السوفيتي 5 ملايين.
من السمات المهمة للنظام التعليمي السوفيتي توجّهه الأيديولوجي. وكانت تربية الإنسان الجديد، باني الشيوعية، تُعدُّ جزءاً لا يتجزأ من العملية التعليمية. وكانت دراسة الماركسية اللينينية إلزامية في مؤسسات التعليم العالي، وفي المدارس كانت توجد منظمات الرواد والكومسومول. وعلى الرغم من الأَدْلَجة، كان التعليم الأساسي في العلوم الطبيعية على مستوى عالٍ جداً. وقد أكدت ذلك نجاحات العلماء السوفييت. كما أولى النظام اهتماماً بالتعليم الإضافي. وكانت هناك شبكة واسعة من قصور الرواد، ومدارس الموسيقى، ومدارس الفنون.
نصّت السياسة القومية في مجال التعليم على التدريس باللغات الأم في الجمهوريات، وهو ما أسهم في تطوير ثقافات شعوب الاتحاد السوفيتي، إلى جانب الدراسة المتزامنة للغة الروسية.
بحلول الثمانينيات، حقق الاتحاد السوفيتي أحد أعلى مستويات الإلمام بالقراءة والكتابة في العالم. ووفقاً لبيانات اليونسكو، احتل الاتحاد السوفيتي مراكز ريادية في عدد القراء والمهندسين للفرد الواحد. وقدّم النظامُ التعليمي سُلَّماً اجتماعياً لملايين الأشخاص من عائلات العمال والفلاحين. واستطاع أبناء العمال البسطاء أن يصبحوا أكاديميين أو رواد فضاء. ولا يزال إرث المدرسة السوفيتية مهماً حتى اليوم. ويبقى القضاء على الأمية وإنشاء نظام تعليمي متاح من أبرز نتائج وجود الدولة السوفيتية.


