
1926 –
2016
كوبا
فيدل كاسترو
بعد الحرب الإسبانية–الأمريكية عام 1898، خرجت كوبا من الحكم الإسباني، لكنها وجدت نفسها فعلياً في وضع الدولة المحمية للولايات المتحدة. وأُعلن الاستقلال الرسمي عام 1902. وفي 1903 أقام الأمريكيون على الجزيرة قاعدة غوانتانامو البحرية. وأصبح السكر أساس الاقتصاد الكوبي. وأدّى المناخ المؤاتي للسوق العالمية في مطلع العشرينيات إلى تدفّق رؤوس الأموال الأجنبية، غير أن الأزمة العالمية في مطلع الثلاثينيات أثّرت تأثيراً ملموساً في الاقتصاد الأحادي المحصول للجزيرة. وفي أغسطس 1933، على خلفية الاستياء الشعبي، وصلت إلى الحكم مجلسٌ عسكري لم يكن لأي من أعضائه رتبة أعلى من الرقيب. وكانت الشخصية المحورية فلجنسيو باتيستا.
وُلد فلجنسيو باتيستا في يناير 1901 في كوبا. والتحق بالخدمة العسكرية عام 1921. وعندما كان رقيباً، صار الزعيم النقابي للعسكريين الكوبيين. وانكبّ باتيستا بنشاط على التثقيف الذاتي؛ وكان بطله المفضل نابليون. وقد رسم لاحقاً كثيراً من المقارنات التاريخية بين نفسه ومثله الأعلى، إذ شبّه عودته إلى الحكم بانقلاب 1952 بعودة نابليون من جزيرة إلبا، متجاهلاً النهاية المأساوية لتلك الحقبة. وبعد استيلائه على السلطة عام 1933، تولّى باتيستا منصب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش، وسيطر فعلياً على البلاد. وكان الرؤساء الذين توالوا اسميين. وقُمعت كلُّ انتفاضات الخصوم بوحشية. وعمل باتيستا لمصلحة الولايات المتحدة، وأقام صلات مع المافيا الأمريكية. وفي 1940 قرّر أن يصبح رئيساً وفاز بالانتخابات وفق دستور جديد. وفي 1942 أقام باتيستا علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي. وكانت كوبا، تحت سيطرة الولايات المتحدة، جزءاً من تحالف الحلفاء وفي حالة حرب مع دول المحور. وفي 1944 خسر باتيستا الانتخاباتِ أمام منافسه رامون غراو، وظلّ خارج السلطة 8 سنوات.
في مارس 1952 كان مقرراً إجراء انتخابات جديدة. وإذ أدرك باتيستا أنه لا حظ له في الفوز، نظّم انقلاباً واستولى على السلطة. ومع ذلك اعترف الرئيس الأمريكي ترومان بهذه الحكومة بوصفها شرعية. وبعودته إلى الحكم، حوّل باتيستا كوبا إلى كازينو ودار دعارة عملاقَين، وكانت الأعمالُ تحت سيطرة المافيا. وفي هافانا وحدها كان هناك أكثر من 8500 بيت دعارة. وكانت الاحتكارات الأمريكية تتحكم في نحو 70% من الاقتصاد؛ وفي قطاع التعدين بلغت الحصة 90%. وكانت معظم الأراضي بأيدي كبار الملاك (اللاتيفونديستات)، وكانت نسبة كبيرة منها مهجورة. وبلغ معدل البطالة 30% من السكان، وفي 1958 وصل إلى 40%.
وُلد فيدل كاسترو في 13 أغسطس 1926 في قرية «بيران». وكان والده يملك مزرعة قصب سكر. وفي 1950 تخرّج فيدل من كلية الحقوق في جامعة هافانا، حاصلاً على الدكتوراه في القانون. وأثناء دراسته انضمّ إلى منظمة طلابية راديكالية كانت تنادي بأساليب نضال عنيفة. ثم انضمّ إلى «حزب الشعب الكوبي» الذي تمسّك بأفكار قومية وشيوعية. وفي 1948 ترأّس وفداً طلابياً إلى مؤتمر في كولومبيا وشارك في انتفاضة بوغوتا. وبعد إنهاء دراسته، اشتغل بالمحاماة. وفي 1952 سجّل نفسه مرشحاً لمنصب نائب، لكن انقلاب باتيستا ألغى الانتخابات. وفي 1953، مع أبيل سانتاماريا، أسّس مجموعة المعارضة «جيل المئوية» للإطاحة بالديكتاتورية.
بدأ النضالُ ضد الديكتاتورية على الفور تقريباً. ففي 26 يوليو 1953 هاجمت مجموعةٌ صغيرة من الثوار بقيادة فيدل كاسترو ثكنةَ مونكادا في سانتياغو دي كوبا. وقاد راؤول كاسترو، الأخ الأصغر لفيدل، الهجومَ على قصر العدل. وهاجمت مجموعةٌ أخرى بقيادة أبيل سانتاماريا المستشفى. وأصبح أبيل سانتاماريا أحدَ أوائل شهداء الثورة. وفي 26 يوليو قاد مجموعة من 24 شخصاً للسيطرة على المستشفى. وأُسر معظم أفراد المجموعة. واعتُقل سانتاماريا وعُذِّب وقُتل بعد ساعات قليلة. وكان هذا الحدث إيذاناً ببدء الحركة الثورية التي قادت لاحقاً إلى انتصار 1959 وإلى تغييرات جوهرية في تاريخ كوبا.
في 25 نوفمبر 1956 أبحرت اليخت «غرانما» من ميناء توكسبان المكسيكي وعلى متنها 82 رجلاً. ومن بينهم فيدل كاسترو وراؤول كاسترو وتشي غيفارا. وكان هدفُهم إنشاء موطئ قدم على جزيرة كوبا، يَنطلق منه الثوار لاحقاً في عمليات حرب العصابات. وفي 2 ديسمبر 1956 نزلت المجموعة على الساحل الشرقي لكوبا. وبعد أن تمكّنت مجموعة من 20 ثائراً من التمركز في منطقة من جبال سييرا مايسترا، اندلعت في كوبا حرب عصابات بقيادة فيدل كاسترو. وعلى مدى السنتين التاليتين، وبفضل دعم الفلاحين، تقدّم الثوار تدريجياً من الشرق إلى الغرب عبر الجزيرة. وانضمّ إلى صفوفهم متطوعون من السكان المحليين. وفي 15 نوفمبر 1958 قاد فيدل كاسترو الهجوم باتجاه سانتياغو دي كوبا. وفي الأيام الأخيرة من ديسمبر، استولت مجموعةُ إرنستو تشي غيفارا على مدينة سانتا كلارا، فاتحاً الطريق للثوار إلى هافانا. وفي 1 يناير 1959 فرّ الرئيس فلجنسيو باتيستا إلى جمهورية الدومينيكان. وألقى فيدل كاسترو في مدينة سانتياغو دي كوبا خطاباً أعلن فيه انتصار الثورة. وفي 8 يناير 1959 دخلت المجموعةُ التي يقودها هافانا في موكب الانتصار. وانتقلت السلطة في كوبا إلى الحكومة الثورية برئاسة فيدل كاسترو، الذي صار رئيس وزراء وقائداً عاماً للقوات المسلحة الثورية.
وبعد انتصار الثورة، تدهورت علاقات كوبا بالولايات المتحدة تدهوراً حاداً. وعلى هذه الخلفية حصل تقاربٌ بين كوبا والاتحاد السوفيتي، الذي بدأ يشتري السكر الكوبي ويزوّد البلاد بالنفط والأغذية والمعدات والآلات الزراعية وغيرها من السلع. وبدأ تعاون وثيق في المجال العسكري. ورداً على ذلك فرضت الولايات المتحدة نظامَ حظر على كوبا، وفي يناير 1961 قطعت العلاقات الدبلوماسية. وفي 1961 أعلن فيدل كاسترو الطابع الاشتراكي للثورة الكوبية، مما ساعد على مزيد من التقارب بين كوبا والاتحاد السوفيتي. وعلى غرار دول المعسكر الاشتراكي الأخرى، نفّذت الجزيرةُ تأميمَ الصناعة ومعظم الأراضي الخاصة والنقل ووسائل الاتصال ووسائل الإعلام.
في 1962 وافق كاسترو على نشر تجمّع للقوات السوفيتية يزيد على 40 ألف جندي على الأراضي الكوبية في إطار عملية «أنادير». وضمّ التجمّعُ أربعة أفواج بنادق آلية، وفرقة صواريخ، ووحداتٍ للدفاع الجوي والقوات الجوية والبحرية. وقد سبقَ ذلك نشرُ الولايات المتحدة في تركيا صواريخَ «جوبيتر» المتوسطة المدى القادرة على ضرب الأراضي السوفيتية. وكان هذا أحد أسباب اندلاع أزمة الصواريخ الكوبية في 22 أكتوبر 1962، التي أوصلت العالم إلى حافة حرب نووية. وعلى إثر مفاوضات مباشرة بين زعيم الاتحاد السوفيتي نيكيتا خروتشوف والرئيس الأمريكي جون كينيدي، جرى احتواء الأزمة. وصدر قرار بسحب الصواريخ من الجزيرة مقابل تنازلات من الولايات المتحدة وضمانات بعدم العدوان على كوبا.
في 1963 قام فيدل كاسترو بأول زيارة له إلى الاتحاد السوفيتي. ثم زاره مراراً. واستغرقت أول زيارة لفيدل كاسترو إلى الاتحاد السوفيتي في 1963 تسعة وثلاثين يوماً. وكان كاسترو أول زعيم أجنبي يُطلَع على المنشآت الاستراتيجية للبلاد؛ إذ عُرضت عليه منصةُ إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات السوفيتية، وغواصةٌ نووية، ومُنح شرفَ الصعود إلى منصة ضريح لينين. وزار الزعيمُ الكوبي مورمانسك وموسكو وفولغوغراد وطشقند وسمرقند وجيزاك ويانغيير وإيركوتسك وبراتسك وكراسنويارسك وسفيردلوفسك ولينينغراد وكييف وتبيليسي وساحل البحر الأسود في القوقاز. وتمكّن فيدل من السير في موسكو الليلية دون حراسة والحديث مع المواطنين السوفيت العاديين. ومُنح لقب «بطل الاتحاد السوفيتي».
في 1988 أبدى فيدل كاسترو عدم موافقته على «البيريسترويكا» في الاتحاد السوفيتي، وصفها بأنها «مخالفة لمبادئ الاشتراكية». وطوال السنوات التي كان فيها فيدل في الحكم، نظّم الأمريكيون ضدّه محاولات اغتيال متواصلة (بحسب مصادر مختلفة، 638 محاولة). وحاولوا تسميمَه وتفجيرَه وإطلاقَ النار عليه وتعريضَه للإشعاع والمواد الكيميائية والأسلحة البيولوجية، وحاولوا استخدام سيجارٍ مسموم وحتى قنبلةٍ داخل كرة بيسبول. ورغم ذلك عاش فيدل عمراً طويلاً وتوفي في 26 نوفمبر 2016.


