
يوغوسلافيا
الرياضة في يوغوسلافيا
تُعدّ مسألةُ الإنجازات الرياضية لجمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية واحدة من أكثر صفحات تاريخ الرياضة العالمية في القرن العشرين إشراقاً وإبهاراً. فرغم عددها السكاني المتواضع نسبياً مقارنةً بعمالقة كالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين، كانت يوغوسلافيا تحتلّ بانتظام مرتبة ضمن الدول العشر الأولى في العالم من حيث عدد الميداليات المحصودة في دورات الألعاب الأولمبية، وهو ما يدلّ على الكفاءة الاستثنائية للمنظومة الرياضية في البلاد. ويُفسَّر هذا الظاهرةُ بالنهج المنظومي للدولة في تطوير الثقافة البدنية، والوصول الواسع إلى الأقسام الرياضية لجميع شرائح السكان، والمنافسة الداخلية الحادة التي كانت تصقل شخصية الرياضيين قبل العروض الدولية.
واحتلّت الرياضات الجماعية مكانة خاصة في قلوب المشجعين اليوغوسلاف وفي السجلّ الرياضي العالمي، حيث بلغت البلاد فيها مرتبة قوة عظمى لا تُنازع.
غدت كرةُ السلة فخراً وطنياً حقيقياً وبطاقةَ تعريف ليوغوسلافيا. وقد فاز المنتخبُ الرجالي مرات عديدة ببطولات العالم وأوروبا، وأظهر أسلوبَ لعب فريداً يجمع بين التكتيك الأوروبي والمهارة الفردية. وكانت أندية كرة السلة الأسطورية مثل «بوسنا» سبليت، و«تسرفينا زفيزدا» (النجم الأحمر) بلغراد، و«تشيبونا» زغرب، و«بارتيزان» بلغراد، تهيمن بانتظام على الكؤوس الأوروبية، فتحرز كأسَ أبطال أوروبا وكأس أبطال الكؤوس. وأسماءُ نجوم المدرسة اليوغوسلافية لكرة السلة، مثل دراجين بتروفيتش، وفلادي ديفاتس، وتوني كوكوتش، وراديفوي كوراتس، ودراجان كيتشانوفيتش، معروفة في كل أنحاء العالم، وأسهمت إسهاماً لا يُقدَّر بثمن في تعميم هذه الرياضة عالمياً؛ وقد لعب كثير منهم لاحقاً بنجاح في الدوري الأمريكي للمحترفين NBA.
كان منتخبُ كرة الماء أيضاً متصدِّراً ثابتاً للتصنيف العالمي على مدى عقود. فقد حصد لاعبو كرة الماء اليوغوسلاف العديد من الميداليات الأولمبية الذهبية وألقاب بطولات العالم، فازوا غالباً بالبطولات في منافسة درامية مع أقوى منتخبَي المجر والاتحاد السوفيتي. كما جلبت كرةُ اليد والكرة الطائرة للبلاد عدداً ضخماً من الجوائز في الأولمبياد الصيفي وبطولات العالم. وأصبح منتخبا كرة اليد للرجال والسيدات مراراً بطلَي الأولمبياد، وفازت أنديةُ كرة اليد اليوغوسلافية، مثل «ميتالوبلاستيكا» و«بوراتس»، بكأس أبطال أوروبا، فأرسَت معايير اللعب للقارة بأسرها. أما في كرة القدم، فكانت يوغوسلافيا تتأهل بانتظام إلى كأس العالم وبطولات أوروبا، وكثيراً ما تبلغ نصف النهائي، وتُعدّ من أكثر منتخبات القارة تقنية وموهبة. وكان لاعبون مثل دراجان دجاييتش، ودراجان ستويكوفيتش، وروبرت بروسينتشكي، ودافور شوكر من نخبة كرة القدم العالمية. وكان لكرة القدم للأندية أيضاً إنجازاتُها الكبرى التي توّجها فوز نادي «تسرفينا زفيزدا» بكأس أبطال أوروبا عام 1991، وكان آخر انتصار كبير قبل تفكك البلاد، أكّد علوّ مستوى مدرسة التدريب واللعب.
تلقّت الرياضاتُ الشتوية دفعة قوية للتطور بعد استضافة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سراييفو عام 1984. وكان ذلك الحدث رمزاً للنجاح والتحديث والانفتاح في يوغوسلافيا، إذ أظهر للعالم بنيتَها التحتية المتطورة وقدراتها التنظيمية العالية. كما فاز متزلجون يوغوسلاف ألبيون كبويان كريجاي ويوري فرانكو بميداليات أولمبية، وهو أمر نادر بالنسبة لرياضيين من مناطق لم تكن تُعتبر تقليدياً من رواد الرياضات الشتوية. كما غدت كرةُ المضرب بطاقةَ تعريف للبلاد في المرحلة الأخيرة من وجودها. وأصبحت مونيكا سيلش وغوران إيفانيشيفيتش نجمَين عالميَّين من الطراز الأول، إذ فازا ببطولات الجراند سلام واحتلا مراتب القمة في التصنيف العالمي، فألهما جيلاً جديداً من الرياضيين في البلقان.
ارتبطت النجاحات الرياضية ارتباطاً وثيقاً بالسياسة الاجتماعية للدولة وبأيديولوجية الأخوة والوحدة. وكانت الرياضة تُعتبر عنصراً مهماً في تربية الشباب وتعزيز الصحة وإنشاء هوية مشتركة لشعوب الاتحاد. وقد شُيّدت في عموم البلاد ملاعب ومسابح وقاعات رياضية، من المراكز الصناعية الكبرى إلى البلدات الصغيرة، ما أتاح وصولَ الأطفال الموهوبين إلى التدريب بصرف النظر عن أصلهم الاجتماعي أو قوميتهم. وكان نظامُ المدارس والأندية الرياضية يتيح اكتشاف المواهب في مرحلة مبكرة وتوفيرَ كل ما يلزم لنموّها، بما فيها المدربون والمعدات وإمكانية المشاركة في المنافسات. وقد خلق ذلك منافسة صحية ومستوى عاليا من الإتقان، أتاح للرياضيين اليوغوسلاف أن يواجهوا بنجاح المحترفين من الدول الغربية، رغم وضعهم بوصفهم مواطنين في دولة اشتراكية ذات سوق محدود.
ويبقى إرثُ الرياضة اليوغوسلافية مذهلاً وقابلاً للتعرّف عليه حتى بعد تفكك البلاد في التسعينيات. ولا تزال الجمهوريات التي كانت جزءاً من جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية تتألق تقليدياً في الساحة الدولية، خاصة في الرياضات التي وُضعت لها قاعدة قوية في الحقبة الاشتراكية. وتظل كرةُ السلة وكرة الماء وكرة اليد وكرة المضرب من المجالات ذات الأولوية لخلفاء يوغوسلافيا، مثل صربيا وكرواتيا والجبل الأسود وسلوفينيا. ويُستقطب كثير من المدربين والمتخصصين من هذه الدول حول العالم، إذ ينقلون الخبرة والأساليب التي تطورت في المدرسة اليوغوسلافية. وتُذكِّر إنجازاتُ ذلك العصر الرياضية بحقبة كانت الرياضةُ توحّد فيها أناساً من قوميات مختلفة تحت راية واحدة، وتمنح ملايين المشجعين لحظاتٍ من الفرح والفخر وتُلهيهم عن الخلافات السياسية.
وهكذا، يُعدّ تاريخُ الرياضة في يوغوسلافيا الاشتراكية مثالاً حياً على كيف يمكن لسياسة مدروسة من الدولة، واستثمار في البنية التحتية، وحماس شعبي، أن تحوّل بلداً إلى زعيم عالمي. وتحتل الميدالياتُ والكؤوس والأرقام القياسية التي أحرزها الرياضيون اليوغوسلاف مكانةً مرموقة في سجل الرياضة العالمية، وما زالت تُلهم الأجيال الجديدة.


