
يوغوسلافيا
سينما يوغوسلافيا
تحتلّ سينما جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية مكانة خاصة في تاريخ الفن السينمائي العالمي، وتمثّل ظاهرة فريدة جمعت بين الأيديولوجية الاشتراكية والحرية الفنية والنجاح التجاري. في السنوات التي تلت الحرب، أصبحت السينما من المجالات ذات الأولوية في السياسة الثقافية للدولة، إذ كانت تُعدّ وسيلةً قوية لتربية الإنسان الجديد وتعزيز الأخوة والوحدة بين شعوب الاتحاد. وبفضل دعم الدولة، أُسست استوديوهات كبيرة، مثل «أفالا فيلم» في بلغراد و«ياداران فيلم» في زغرب، مزوَّدة بمعدات حديثة، مما أتاح تصوير أفلام عالية المستوى التقني.
وكانت المرحلة الكبرى الأولى في تطوّر السينما اليوغوسلافية إنشاءَ نوع «الفيلم البارتيزاني». هذه اللوحات الملحمية الواسعة كانت تتناول أحداث حرب التحرر الشعبية وأدّت دوراً مهماً في تشكيل الهوية الوطنية وذاكرة المقاومة للفاشية. وتميّزت أفلام مثل «معركة نِريتفا» و«سوتييسكا» بميزانياتها الضخمة، وبمشاركة نجوم دوليين كيول برينر وأورسون ويلز، ومشاهد قتالية مذهلة. وحققت هذه الأعمال شعبية هائلة لا داخل البلاد فقط، بل أيضاً خارج حدودها، مظهِرةً قدرةَ الصناعة اليوغوسلافية على إنتاج أفلام جماهيرية قادرة على منافسة هوليوود. غير أن السينما اليوغوسلافية لم تقتصر على الأفلام الدعائية أو الترفيهية فقط، ومنذ ستينيات القرن العشرين بدأت حقبة ازدهار الأسلوب التأليفي الذي جلب للبلاد شهرة عالمية.
ويحتلّ موقعاً خاصاً في التاريخ الحركةُ المعروفة بـ«الموجة السوداء» التي ظهرت في أواخر الستينيات واستمرّت في السبعينيات. وكان مخرجو هذا التيار، مثل دوشان ماكافييف، وزيليمير جيلنيك، وألكساندر بتروفيتش، يطمحون إلى أقصى قدر من الحرية الفنية وإلى قراءة نقدية للواقع الاجتماعي. وكانت أفلامُهم تطرح مواضيع من المحرّمات، وتُظهر الوجه الخلفي للمجتمع الاشتراكي والبيروقراطية والفقر وضعف الإنسان، وهو ما لم يكن شائعاً في سينما الدول الاشتراكية الأخرى. وأصبح فيلم ماكافييف «W.R.: ألغاز العضوية» فيلماً كلاسيكياً يستكشف الصلة بين السياسة والجنس، ورغم ما أثاره من جدل في بلاده، إلا أنه نال اعترافاً في الغرب. وقد أتاحَ هذه الحرية الإبداعية النسبية الموقعُ الفريد ليوغوسلافيا بين الشرق والغرب، الذي مكّن المخرجين من المشاركة في المهرجانات الدولية والتعاون مع منتجين أجانب.
وبالتوازي مع سينما المؤلف، تطوّرت صناعة قوية من الكوميديا والدراما الموجَّهة إلى الجمهور العريض. وغدت الأفلامُ الكوميدية اليوغوسلافية، مثل «من يغني هناك» و«جلد ضيق»، أعمالاً كلاسيكية تستشهد بها أجيال من سكان الجمهوريات السابقة. وأصبح ممثلون مثل دراغان نيكوليتش وباتا جيفوينوفيتش وبافله فويسيتش محبوبين شعبيين حقيقيين، وكانت وجوهُهم معروفة في كل بيت. وكانت هذه الأفلامُ تستخدم في الغالب السخريةَ الناعمة والفكاهة البلقانية لتعكس الحياة اليومية ومشكلات «الإنسان الصغير» والتباينات الاجتماعية. وكان نظام التوزيع السينمائي منظّماً جيداً، والتذاكر في متناول الجميع، وظلّ الذهابُ إلى السينما واحداً من أكثر أشكال الترفيه شعبيةً لدى مواطني جميع الجمهوريات. وكان من الأحداث المهمة في الحياة الثقافية للبلاد مهرجان بُولا السينمائي، الذي كان يُسمّى أحياناً «كان اليوغوسلافي». في هذه المنصّة كانت تُعرض سنوياً أفضل الأفلام الوطنية، ويُمنح جائزة «الأرينا الذهبية»، وتتجمّع أبرز نجوم الشاشة اليوغوسلافية، ما أسهم في منافسة صحية وتبادل الخبرات بين سينمائيي مختلف الجمهوريات.
وفي الثمانينيات، شهدت السينما اليوغوسلافية صعوداً جديداً ارتبط باسم إمير كوستوريتسا. ونال فيلماه «بابا في رحلة عمل» و«هل تذكر دولي بيل؟» أرفع جوائز مهرجان كان، بما فيها السعفة الذهبية، وكان ذلك انتصاراً للبلاد بأسرها. وأسلوب كوستوريتسا الذي مزج الواقعية السحرية والكوميديا التراجيدية والصور البصرية المضيئة لفت انتباه الجمهور العالمي إلى الشيفرة الثقافية البلقانية. وأكّد نجاح كوستوريتسا وغيره من مخرجي تلك الفترة، مثل غوران باسكاليفيتش ولوردان زافرانوفيتش، علوّ مستوى مدرسة الإخراج وفنّ السيناريو في يوغوسلافيا. وشاركت صناعة السينما أيضاً بنشاط في إنتاج مشترك دولي، خاصة مع إيطاليا وفرنسا، مما أتاح إدخال تقنيات جديدة وتوسيع جغرافيا التصوير.
غير أن أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات صارت حقبةَ تراجع للسينما اليوغوسلافية. فقد أدت الأزمةُ السياسية والعقوباتُ الاقتصادية والحروبُ التي اندلعت على أراضي الاتحاد السابق إلى تدمير البنية التحتية وإغلاق الاستوديوهات وهجرة كثير من المتخصصين الموهوبين. وانخفض إنتاج الأفلام بشكل حاد، وانهار الفضاء الثقافي الموحَّد مع البلد. ومع ذلك، يبقى إرثُ السينما اليوغوسلافية حياً ومؤثراً. فأفلام تلك الحقبة تُعرض بانتظام في عروض استعادية حول العالم، ويواصل مخرجون من الدول التي خلَفت يوغوسلافيا تقاليدَ المدرسة الوطنية، نائلين الاعتراف في المهرجانات الدولية. وقد أثبتت السينما اليوغوسلافية أن من الممكن إنشاءُ صناعة ثقافية قوية قادرة على التحدث بلغة الفن العالمية وترك أثر في التاريخ.


