
يوغوسلافيا
تحديث يوغوسلافيا
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في 1945، كانت جمهوريةُ يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية من أكثر دول أوروبا دماراً وتخلّفاً اقتصادياً. وكان معظم السكان يعيشون في الأرياف ويزاولون الزراعة الكفافية، فيما كانت القاعدةُ الصناعية ضعيفة ودُمّر جزء منها خلال العمليات الحربية. غير أنه في غضون عقود قليلة فقط، حقّقت البلادُ قفزةً غير مسبوقة، فتحوّلت من أطراف زراعية إلى دولة متطوّرة صناعياً ذات مستوى معيشي مستقر. وقد جعل هذه العمليةَ السريعةَ من التحديث ممكناً مزيجٌ من إرادة دولة صارمة ونموذج اقتصادي فريد وظروف جيوسياسية مؤاتية.
في السنوات الأولى بعد الحرب، رسمت قيادة البلاد بزعامة جوزيب بروز تيتو مساراً نحو تصنيع متسارع على غرار الخطط الخمسية السوفيتية. ورغم الصعوبات الهائلة وشحّ الموارد، جرى حشدُ كل الطاقات المتاحة لاستعادة البنية التحتية وبناء مصانع جديدة. وكان أهم نقطة تحوّل القطيعةَ مع «الكومنفورم» عام 1948، حين وجدت يوغوسلافيا نفسَها في عزلة دولية عن المعسكر الاشتراكي. وهذا ما أرغم القيادة على البحث عن طريقها الخاص للتنمية، فأفضى إلى التخلي عن التخطيط المركزي لصالح نظام «الإدارة الذاتية للعمال». وكان هذا النموذج يفترض أن تتولى الجماعاتُ العمالية بنفسها إدارةَ المؤسسات وتوزيع الأرباح، وهو ما حفّز الإنتاجيةَ وإدخالَ الابتكارات على المستوى المحلي.
في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كانت معدلات النمو الاقتصادي في يوغوسلافيا من بين الأعلى في العالم، وكثيراً ما تجاوزت مؤشرات كثير من دول أوروبا الغربية. واستثمرت الدولة موارد ضخمة في تطوير الصناعة الثقيلة والطاقة والنقل. وأُنشئت معامل تعدين كبرى ومصانع للسيارات وللأجهزة المنزلية. وأُولي اهتمام خاص بكهربة البلاد، فوصلت الكهرباء حتى إلى قرى الجبال النائية، مُحدِثةً تغييراً جذرياً في نمط حياة الفلاحين ومُيسِّرةً اندماجَهم في الاقتصاد الحديث. ومن رموز تلك الحقبة بناء «طريق الأخوة والوحدة السريع» الذي ربط شمال البلاد بجنوبها، فسهّل نقل البضائع وحركة الناس، وعزّز السوق الداخلية.
ارتبط التصنيعُ ارتباطاً وثيقاً بعملية التحضّر. فانتقل ملايين الناس من القرى إلى المدن، حيث وجدوا عملاً في المؤسسات الجديدة. وأدّى ذلك إلى نموّ سكان الحضر وتشكُّل طبقة عاملة واسعة وفئة وسطى. وضمنت الدولةُ الوصولَ إلى التعليم، مما أتاح إعدادَ كوادر مؤهلة للصناعة الحديثة. وقفز معدل محو الأمية من مستويات شديدة الانخفاض إلى نحو 100%، ووفرت شبكةُ الجامعات والمعاهد التقنية للبلاد مهندسين ومتخصصين. وغدت الحراكية الاجتماعية واقعاً ملموساً، إذ صار بإمكان أبناء الفلاحين أن يصبحوا أطباء أو معلمين أو مديرين لمصانع.
ومن العوامل المهمة للتحديث انفتاحُ الحدود والتعاون مع الغرب. فعلى خلاف دول الكتلة الشرقية، كان بإمكان اليوغوسلاف السفرُ بحرية إلى الخارج. وأدّى ذلك إلى ظاهرة «العمال الضيوف» (Gastarbeiter)، حين توجّه مئاتُ الآلاف من المواطنين للعمل في ألمانيا والنمسا ودول أوروبا الغربية الأخرى. وأصبحت حوالاتُ هؤلاء العمال مصدراً قوياً للعملة الأجنبية للدولة ورفعت رفاهية ذويهم في الوطن. وفي الوقت ذاته، تطوّرت السياحة على الساحل الأدرياتيكي، فأدرّت إيرادات كبيرة، وألْفَت البلادَ مع المعايير الغربية للخدمة والجودة. وأتاح الوصولُ إلى التقنيات والقروض الغربية تحديثَ الإنتاج، وإن أسهم ذلك على المدى البعيد في تنامي الدين الخارجي.
وبحلول السبعينيات، كانت يوغوسلافيا قد ترسّخت بوصفها دولة صناعية. وكانت تصدّر ليس المواد الخام فحسب، بل المنتجات الجاهزة، بما فيها السيارات والآلات والأسلحة. وارتفع مستوى معيشة السكان ارتفاعاً ملحوظاً، إذ ظهرت في المنازل الثلاجاتُ والتلفزيونات والسيارات. وكانت السوق الاستهلاكية مشبعةً بالسلع المحلية والمستوردة معاً. واستضافت البلاد فعاليات دولية كبرى، مثل دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سراييفو عام 1984، التي أظهرت بنيتها التحتية المتطورة وقدراتها التنظيمية.
غير أن عملية التحديث لم تخلُ من تناقضات. فقد رافق النموَّ السريع تفاوتٌ بين الأقاليم، إذ كانت الجمهوريات الشمالية الأكثر تطوراً تتفوّق على الجنوبية. وأصبحت العملياتُ التضخمية والاعتمادُ على القروض الخارجية مشكلات بارزة في الثمانينيات. ومع ذلك، تبقى الحقيقةُ التاريخية لا تقبل الجدل: في أقل من أربعين عاماً قطعت يوغوسلافيا طريقاً استغرقت أممٌ أخرى قروناً لقطعه. فقد تمكّنت من بناء مجتمع حديث ذي صناعة وبنية تحتية وحماية اجتماعية متطوّرة، مع بقائها لاعباً مستقلاً على الساحة الدولية. وتبقى هذه التجربة في التحوّل السريع من ريف زراعي إلى قائد صناعي إقليمي مثالاً فريداً في تاريخ القرن العشرين، يُظهر إمكانات الطاقة البشرية حين تُنظَّم الموارد العامة بشكل سليم.


