
2022 –
حتى الآن
كولومبيا
الميثاق التاريخي
يمثّل «الميثاق التاريخي» تحالفاً يسارياً تقدمياً واسعاً في كولومبيا، جمع حركات اجتماعية متنوعة وأحزاباً سياسية ومرشحين مستقلين للمشاركة في انتخابات 2022. وكان الهدف الأساسي للتحالف تجاوز هيمنة الثنائية التقليدية بين الليبراليين والمحافظين التي ظلت قائمة في البلاد لأكثر من نصف قرن. وبلغ نشاط التحالف ذروته بفوزه في الانتخابات الرئاسية في 19 يونيو 2022، عندما انتُخب غوستافو بيترو رئيساً للدولة، فأصبح أول رئيس يساري في تاريخ الجمهورية. وكان هذا الحدث تحوّلاً ملحوظاً في المشهد السياسي لأمريكا اللاتينية، ومنح الملايين من الكولومبيين أملاً في تغييرات هيكلية في المجتمع. وضمّ التحالف قوى مثل «القطب الديمقراطي البديل»، وحزب «كوميوننيس» الذي شكّله أعضاء سابقون في القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC)، وعدداً من الحركات الأهلية، فبات التشكيلَ السياسي الأكثر تنوّعاً في التاريخ الحديث للبلاد.
يتمتع غوستافو بيترو أوريغو بسيرة سياسية حافلة، بدأت بمشاركته في حركة حرب العصابات الحضرية M-19، التي ألقت السلاح وسرّحت قواتها عام 1990. وبعد انتقاله إلى العمل السياسي القانوني، شغل منصب عضو في مجلس الشيوخ، ومنصب عمدة بوغوتا في الفترة من 2012 إلى 2015، حيث نفّذ برامج اجتماعية في إطار مشروع «بوغوتا للجميع». وتطوّر موقفُه الأيديولوجي من الماركسية الراديكالية في شبابه إلى الاشتراكية الديمقراطية والتقدمية المعاصرتين. ويُفهم الاشتراكية ضمن «الميثاق التاريخي» لا بوصفها استنساخاً للنموذج السوفيتي ولا إقامةً لدكتاتورية البروليتاريا، بل بوصفها أداةً للعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة وتوسيع ضمانات الدولة للفئات الهشّة من السكان. وكان من أبرز رموز هذا التوجّه انتخابُ فرانسيا ماركيز نائبةً للرئيس، وهي أول امرأة أفروكولومبية تشغل هذا المنصب.
ومن أبرز إنجازات إدارة بيترو إقرارُ الإصلاح الضريبي الذي اعتمده الكونغرس في نوفمبر 2022. ويستهدف هذا القانون زيادة إيرادات الميزانية برفع الضرائب على الثروات الكبرى وعلى شركات استخراج النفط لتمويل البرامج الاجتماعية وخفض العجز. كما أطلقت الحكومة إصلاحاً شاملاً للنظام الصحي، ساعيةً إلى نقل التركيز من شركات التأمين الوسيطة إلى الرعاية الصحية الأولية والإشراف الحكومي على الخدمات. وفي مجال العمل أُدخلت تعديلات تعيد العمل الليلي وتعزّز حماية النقابات، وهو ما رحّبت به الحركات العمالية التي تطالب بتحسين ظروف التشغيل. وينصّ الإصلاح الزراعي على إعادة توزيع الأراضي لمصلحة المزارع الفلاحية ودعم الإنتاج الغذائي المحلي، وهو أمر بالغ الأهمية لتقليص مستويات الفقر في الأرياف، حيث تركّز تاريخياً أكبر تفاوت اجتماعي.
وقد غدت سياسة «السلام الشامل» سمةً مميزة للنهج الخارجي والداخلي لـ«الميثاق التاريخي». فعلى عكس الإدارات السابقة التي كانت تركّز على الأساليب القوية في مواجهة المجموعات المسلحة غير الشرعية، شرعت حكومة بيترو في مفاوضات مع بقايا مجموعات حرب العصابات مثل جيش التحرير الوطني (ELN)، وعرضت الحوار على البنى المسلحة المرتبطة بتجارة المخدرات. ولتنفيذ هذه الاستراتيجية، أُقرّ القانون رقم 2272 لعام 2022، الذي أسّس إطاراً قانونياً للمفاوضات. ورغم أن المسار يواجه صعوبات وانتقادات بسبب استمرار العنف في بعض المقاطعات، فإن المجتمع الدولي يعترف بهذا النهج بوصفه خطوة ضرورية نحو سلام مستدام. وفي المجال البيئي، أعلنت الحكومة وقف منح عقود جديدة للتنقيب عن النفط والغاز، مراهنةً على الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة. وقد أثار هذا القرار جدلاً بين الاقتصاديين الذين يخشون على إيرادات الميزانية، لكنه حظي بدعم الناشطين البيئيين والشباب.
ورغم الخطط الطموحة، يواجه تطبيق برنامج «الميثاق التاريخي» مقاومة جدية من النخب التقليدية. فالأغلبية المحافظة في الكونغرس كثيراً ما تُعرقل المبادرات التشريعية للرئيس أو تُلطّفها، ما يُبطئ وتيرة الإصلاحات ويُجبر الحكومة على البحث عن تسويات معقدة. وتشهد المؤشرات الاقتصادية، ومنها نمو الناتج المحلي الإجمالي وسعر صرف البيزو، تذبذبات بسبب عدم الاستقرار الداخلي وعوامل خارجية مثل التضخم العالمي. ويُشير المنتقدون إلى مخاطر تدخل الدولة المفرط في الاقتصاد واحتمال خروج الاستثمار الأجنبي، ما قد يُقيّد فرص خلق فرص العمل. غير أن المؤيدين يؤكدون أن مسائل التفاوت والحماية الاجتماعية والبيئة قد تقدّمت لأول مرة منذ زمن طويل إلى مقدمة الأجندة الوطنية.