
1986 –
حتى الآن
فيتنام
دوي موي
يمثّل النموذجُ الفيتنامي للتنمية الاقتصادية، المعروف بـ«اقتصاد السوق ذي التوجّه الاشتراكي»، نموذجاً فريداً لتحوّل دولة ما بعد الاشتراكية.
بعد انتهاء الحرب عام 1975 والتوحيد الرسمي للبلاد عام 1976، واجهت فيتنام صعوبات جدّية. ولم يكن التخطيطُ المركزي قادراً على استعادة البنية التحتية المدمَّرة، فيما زادت العزلةُ الدولية الأزمةَ سوءاً. وبحلول منتصف الثمانينيات، بلغ التضخمُ مستويات كارثية، وعانى السكان من شُحٍّ حادّ في الغذاء. وكانت نقطةُ التحول المؤتمرَ الوطني السادس للحزب الشيوعي الفيتنامي، الذي انعقد في 15 ديسمبر 1986. فحينها أُعلنت رسمياً انطلاقةُ سياسة التجديد المعروفة بـ«دوي موي» (Đổi Mới). واعترفت قيادةُ البلاد بأخطاء الماضي، واتجهت إلى إدخال آليات السوق مع الإبقاء على الدور القيادي للدولة. ولم يعنِ ذلك التخلي عن الاشتراكية، بل اقتضى مرونةً في الأساليب الاقتصادية. وقُنّنت الملكية الخاصة، غير أن القطاعات الرئيسية في الاقتصاد ظلت تحت سيطرة الدولة. وأصابت الإصلاحاتُ جميع نواحي الحياة. في الزراعة، بقيت الأرضُ ملكاً للدولة، لكن الفلاحين حصلوا على حقوق استخدام طويلة الأمد للقطع الأرضية. وحفّز ذلك إنتاجَ الأرز والمحاصيل الأخرى. وحُرّرت أسعار معظم السلع، فأتاح ذلك للسوق تنظيمَ العرض والطلب. ومُنحت الشركاتُ الحكومية استقلاليةً أكبر، وكُلّفت بالعمل على أساس التمويل الذاتي.
أتت هذه الإجراءاتُ بثمارها بسرعة، فقد توقفت فيتنام في أواخر الثمانينيات عن استيراد الأرز وأصبحت من أكبر مصدّريه في العالم. وكان الاندماجُ في الاقتصاد العالمي مرحلة مهمة. ففي 28 يوليو 1995 انضمّت فيتنام إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا، فانفتحت أسواقٌ جديدة. وفي السنة ذاتها جرى تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفي 11 يناير 2007 أصبحت البلادُ عضواً كامل العضوية في منظمة التجارة العالمية. وأسهم تدفّقُ الاستثمار الأجنبي في تطوير الصناعة وإيجاد فرص العمل. ونما الاقتصاد بوتيرة مرتفعة، فحوّل فيتنام إلى أحد روّاد المنطقة. ورغم هذه النجاحات، يعاني النموذجُ من مشكلات. فاللامساواةُ الاجتماعية ترتفع، ويبقى الفساد تحدياً جدياً للسلطات. وأحياناً يُضحَّى بالمعايير البيئية لمصلحة النمو الصناعي السريع. ومع ذلك، تحسّن مستوى معيشة غالبية المواطنين تحسناً ملموساً. فقد تراجع الفقرُ من أكثر من 50% في مطلع التسعينيات إلى أقل من 5% في مطلع العشرينيات (وفقاً لبيانات المنظمات الدولية). وتواصل الدولةُ الاستثمارَ في التعليم والرعاية الصحية، ساعيةً إلى الموازنة بين كفاءة السوق والضمانات الاجتماعية.
تُعرّف فيتنام الحديثة اقتصادَها بأنه اقتصاد سوق ذو توجّه اشتراكي. ويعني ذلك أن السوقَ يؤدّي دوراً حاسماً في توزيع الموارد، لكن الدولة تنظّم العمليةَ لضمان العدالة الاجتماعية. ويحتفظ الحزبُ الشيوعي باحتكار السلطة السياسية، موجِّهاً التطور الاقتصادي وفق خطط استراتيجية. وأتاح هذا النهج تجنّبَ الفوضى التي رافقت بعض حقب التحوّل الأخرى في التاريخ. وتبيّن تجربةُ فيتنام أن الجمع بين العناصر التخطيطية والسوقية ممكن مع إدارة كفؤة. وتمثّلت العوامل الأساسية للنجاح في تدرّج الإصلاحات وبراغماتية القيادة. فبدلاً من «العلاج بالصدمة»، استُخدم انتقال متدرّج أتاح للمجتمع التكيّفَ مع الظروف الجديدة. واليوم تواصل فيتنام تحديث اقتصادها مراهنةً على التقنيات الفائقة والرقمنة. ويبقى نموذجُ «دوي موي» أساسَ تطور البلاد لعقود قادمة.
