استقلال سوريا

سوريا

استقلال سوريا

في 8 مارس 1920 أعلنت سوريا استقلالها عن الإمبراطورية العثمانية المنهارة، وأصبح الأميرُ فيصل بن الحسين — أحدُ أبطال حركة التحرر العربية — رئيساً للدولة. وتحت قيادته عام 1918، استولى الجيشُ العربي، الذي شنّ ثورته بدعم من قوى الحلفاء، على دمشق. غير أن الاستقلال كان قصير العمر. ففي يونيو 1920 ألغت القوات الفرنسية المملكةَ العربية السورية. وانتقل فيصل بنفسه إلى العراق المجاور، حيث صار لاحقاً الملك فيصل الأول. وفي عهده نال العراق استقلالَه الرسمي عام 1932، بينما اتخذ مصير سوريا منحى مختلفاً، إذ خضعت للإدارة الأجنبية.

منذ 1920 أصبحت سوريا مستعمرة فرنسية، في إطار خطة ما بعد الحرب لتقاسم العالم التي وثقها اتفاق سايكس–بيكو السري. فحصلت فرنسا على انتداب لحكم سوريا ولبنان، بينما حصلت بريطانيا على العراق والأردن. وقسّم الفرنسيون سوريا إلى ستة أجزاء: دول دمشق وحلب والعلويين والدروز ولبنان الكبير وولاية الإسكندرونة. وقد أضعف هذا التفكك الوحدةَ الوطنية وعقّد الحكم. وفي 1938 صارت ولاية الإسكندرونة دولةَ هاتاي، وضُمّت إلى الجمهورية التركية، وكان ذلك خسارةً مؤلمة لسوريا. وأصبحت دولة لبنان لبنانَ المستقل عام 1946، فانفصلت نهائياً عن الفضاء السياسي السوري.

في 17 أبريل 1946، وبفضل جهود الاتحاد السوفيتي إلى حدّ بعيد، سُحبت القوات الفرنسية والبريطانية نهائياً من الأراضي السورية. ويُحتفل بهذا اليوم عيداً للاستقلال السوري. ولأن القوات سُحبت أيضاً من الأراضي اللبنانية، فإن هذا اليوم عطلة هناك أيضاً. غير أن نيل السيادة لم يجلب الاستقرار. ومن 1949 إلى 1970 شهدت سوريا سلسلة من الانقلابات، ما دلّ على أزمة سياسية عميقة وعدم استقرار مؤسسات الدولة.

في النصف الثاني من الأربعينيات، كانت في الحكم أحزابٌ وحكوماتٌ مرتبطة برأس المال الوطني والدولي. غير أنه في أبريل 1947 ظهرت قوة سياسية جديدة في البلاد — حزب البعث العربي الاشتراكي. وقد عرّف نفسه بأنه حزب «قومي شعبي اشتراكي ثوري سياسي» يدعو إلى إصلاحات اجتماعية وإلى تأميم القطاعات الاقتصادية الرئيسية. وفي العلاقات بين العرب، كان البعث يدعو إلى توحيد جميع الدول العربية ضمن «وطن عربي» واحد لا يتجزأ. وانتُخب ميشيل عفلق، منظِّر الحزب ومؤسسه، أميناً عاماً له. وعلى خلاف الأحزاب الأخرى، قدّم البعث نفسه منذ البداية مركز قيادة قومياً عربياً، ونظّم فروعَه الإقليمية في دول عربية أخرى، فأثّر في سياسة المنطقة برمّتها.

في 1958، حاولت سوريا الوحدةَ مع مصر، فنتج عن ذلك إنشاء الجمهورية العربية المتحدة. وكان ذلك ذروة القومية العربية. غير أن الوحدة لم تستمر طويلاً. ففي 1961 وقع انقلاب عسكري آخر في سوريا، وانسحبت من الجمهورية العربية المتحدة، مما أظهر صعوبة تجسيد فكرة الوحدة على أرض الواقع.

وكنتيجة لثورة آذار 1963، تولّى حزبُ البعث العربي الاشتراكي السلطةَ في سوريا. ومن المشاركين في هذه الثورة حافظ الأسد، الذي كان آنذاك قائداً لسلاح الجو في البلاد. وكانت الثورة بدون إراقة دماء، لكن سرعان ما بدأ داخل الحزب صراعٌ على النفوذ بين تيارات مختلفة. ونتيجة انقلاب 23 فبراير 1966، تولّى الجناح العسكري للحزب، المعروف بـ«حركة 23 فبراير»، السلطة. وأعلن الجيل الجديد من البعثيين أن هدف السياسة الداخلية القضاءُ على العلاقات الإقطاعية والرأسمالية، وأن هدف السياسة الخارجية تسويةُ القضية الفلسطينية. وأُعلنت حرب جديدة مع إسرائيل، اندلعت في 5 يونيو 1967 ودخلت التاريخ بـ«حرب الأيام الستة». وهُزمت مصر وسوريا والأردن أمام الجيش الإسرائيلي. واحتلّت إسرائيلُ شبهَ جزيرة سيناء ومرتفعاتِ الجولان السورية، ما شكّل كارثة استراتيجية لدمشق وفقداناً لمواقع دفاعية حاسمة.

وبعد الهزيمة، تفاقمت التناقضات الداخلية في سوريا. وفي 1969 قصف الطيرانُ الإسرائيلي مخيمات فلسطينية قرب دمشق. وفي سبتمبر 1970 نفّذت سوريا عملية عسكرية فاشلة في الأردن، محاولةً دعم انتفاضة اللاجئين الفلسطينيين. وأُلقي اللوم على حافظ الأسد، الذي كان وزيراً للدفاع. غير أن النتيجة كانت أن حافظ الأسد وأنصارَه نفّذوا الاستيلاءَ على السلطة في سوريا في 13 نوفمبر 1970، فيما عُرف بـ«الحركة التصحيحية».

بعد توليه السلطة عام 1970، جعل حافظ الأسد إعلانَ عقيدة سياسية جديدة — تستند إلى التجربة التاريخية للتحولات الحكومية في دول المعسكر الاشتراكي — أساساً للإصلاحات الاجتماعية–الاقتصادية. وفي ظل عسكرة عالية جداً لميزانية البلاد، شرع الأسد في خصخصة الاقتصاد وتحرير التجارة مع الدول الأخرى وتخفيف قواعد الدخول والخروج. ولم يبقَ ضمن ملكية الدولة سوى الشركات الكبرى والاستراتيجية. وأُنشئت مناطق اقتصادية حرة لجذب الاستثمار الأجنبي، وحُوفظ على ملكيات زراعية كبيرة. وظل محظوراً فقط رأسُ المال والبضائع الإسرائيلية.

كان حكمُ حافظ الأسد معقّداً ومتناقضاً. وفي 1973 جرت محاولة جديدة بين سوريا ومصر لشنّ حرب على إسرائيل لاستعادة الأراضي التي احتلتها سابقاً. وتبيّن مرة أخرى أن المحاولة فشل استراتيجي: ففي غضون 18 يوماً هُزمت القوات العربية ثانية، رغم بعض النجاحات الأولية. واستمرّت الاشتباكات حتى 1974. وفي 1975 اندلعت الحرب في لبنان، وأدّت سوريا فيها دوراً محورياً. وداخل البلاد تفاقمت المعارضة المذهبية، بما في ذلك هجمات إرهابية ضد العلويين — وكان الأسد ممثلاً لهم — من قِبَل «الإخوان المسلمين» السنّة الذين كانت مدينة حماة قاعدتهم التاريخية. وأفضت هذه المواجهة إلى صدامات وحملات قمع وحشية.

في 10 يونيو 2000 توفي حافظ الأسد. وانتهى القرن العشرون بالنسبة لسوريا بوفاته. وقد رسم إرثُه المشهد السياسي للبلاد لعقود قادمة، إذ رسّخ نموذجاً سلطوياً للحكم، ودور سوريا لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط، رغم كل التحديات الخارجية والداخلية التي واجهتها الدولة في نهاية القرن الماضي. وانتقلت السلطة إلى ابنه، فضمنت استمرارية الخط، لكنها لم تحلّ المشكلات الاجتماعية والسياسية المتراكمة التي تظل قائمةً في عالم اليوم.

Arrow left