
1884 –
حتى الآن
المملكة المتحدة
الاشتراكية البريطانية
شهد تاريخ بريطانيا العظمى وجودَ كثير من الاشتراكيين البارزين الذين أثّروا تأثيراً ملموساً ليس فقط في بلدهم بل في الحركة السياسية العالمية. وتطوّرت الاشتراكية البريطانية في طريق فريد يختلف عن السيناريو الثوري الذي تحقق في روسيا. وقد قام الأساس البريطاني على الإصلاحية والسعي إلى التغيير عبر آليات برلمانية. وكان روبرت أوين، الناشط في مطلع القرن التاسع عشر، من أوائل الشخصيات وأكثرها تأثيراً. ويُعدّ أحدَ مؤسسي الاشتراكية الطوباوية. كان أوين صناعياً ناجحاً سعى إلى إنشاء مجتمعات مثالية تقوم على التعاون والمساواة وانتفاء الاستغلال. وقد لفتت تجاربه في «نيو لانارك» الإسكتلندية و«نيو هارموني» الأمريكية انتباه الجمهور والملوك. ورغم أن مشاريعه لم تتحوّل إلى ظواهر جماهيرية على المدى البعيد، فقد أرست أسس الحركة التعاونية والنقابات الأولى. وأظهر أوين أن تحسين ظروف العمل يمكن أن يكون مربحاً للشركات.
أدّى مكوث كارل ماركس وفريدريك إنغلز في بريطانيا دوراً مهماً في تطور النظرية الاشتراكية. وعاش ماركس في لندن منذ 1849 حتى وفاته في 1883. وفي المكتبة البريطانية تحديداً، كتب عمله الرئيسي «رأس المال» محلِّلاً اقتصاد الرأسمالية الصناعية. أما إنغلز فعاش في مانشستر وزاول الأعمال التجارية، ودعَم ماركس مالياً. وأحال وجودُهما لندن إلى مركز للحركة الاشتراكية الأممية في القرن التاسع عشر. غير أن التنظيم السياسي الجماهيري بدأ يتشكّل لاحقاً، بعد أن نالت الطبقة العاملة حقّ التصويت. وفي 1884 تأسست «الجمعية الفابيانية» التي أصبحت المركز الفكري للاشتراكية البريطانية. ودعا أعضاؤها، ومنهم الكاتب المسرحي جورج برنارد شو والاقتصاديان سيدني وبياتريس ويب، إلى الانتقال التدريجي إلى الاشتراكية عبر المؤسسات الديمقراطية. ورفضوا الأساليب الثورية، وفضّلوا استراتيجيةَ تشريب الأحزاب وهياكل الدولة القائمة بالأفكار الاشتراكية.
كان إنشاءُ حزب العمال لحظةً مفصلية في التاريخ السياسي للبلاد. وقد تأسس الحزب عام 1900 بوصفه «لجنة التمثيل العمالي» لضمان صوت للعمال في البرلمان. وأصبح كير هاردي أحدَ أوائل قادته وأولَ نائب عمالي مستقل ينتخَب لمجلس العموم. ودافع عن مصالح الطبقة العاملة وطالب بإقرار المعاشات والتأمين ضد البطالة. وبحلول العشرينيات حلّ حزبُ العمال محل الليبراليين بوصفه القوة المعارضة الرئيسية للمحافظين. وفي 1924 شُكّلت أولى حكومات حزب العمال برئاسة رامزي ماكدونالد. ورغم أنها كانت قصيرة العمر ومعتمدة على دعم الليبراليين، فقد كانت إعلاناً عن وصول الاشتراكيين إلى أعلى مستويات السلطة دون انقلاب مسلح.
حقّقت الاشتراكية البريطانية أكبرَ نجاحاتها بعد الحرب العالمية الثانية. ففي انتخابات 1945 فاز حزب العمال فوزاً ساحقاً، إذ نال دعمَ الشعب الذي كان يتوق إلى ضمانات اجتماعية. وأصبح كليمنت أتلي رئيساً للوزراء. ونفّذت حكومتُه برنامجاً ضخماً لتأميم القطاعات الرئيسية في الاقتصاد، بما فيها صناعة الفحم والسكك الحديدية والصلب والطاقة. وأُسست هيئةُ الخدمات الصحية الوطنية (NHS) عام 1948. ووفّرت رعاية طبية مجانية لجميع المواطنين بصرف النظر عن الدخل. واتسع نظامُ الضمان الاجتماعي، وأُدخلت إعانات البطالة والشيخوخة. وقد أرست هذه الإصلاحات أسس دولة الرفاه التي غدت نموذجاً لكثير من دول الغرب.
وفي العقود اللاحقة، استمر الفكر الاشتراكي في بريطانيا في التطور. وفي الستينيات والسبعينيات تعزّز نفوذُ الجناح اليساري لحزب العمال. وأصبح توني بن رمزاً للاشتراكية الديمقراطية داخل الحزب. ودعا إلى توسيع رقابة الدولة على الاقتصاد والخروج من المجموعة الاقتصادية الأوروبية. غير أنه في الثمانينيات، في عهد رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر، بدأ تراجعٌ عن المبادئ الاشتراكية في اتجاه الليبرالية الجديدة. وخُصخصت العديد من شركات الدولة، وقُلِّص نفوذ النقابات. ومع ذلك، ظلت أفكار العدالة الاجتماعية شعبية في المجتمع. وغدا الحفاظ على هيئة الخدمات الصحية الوطنية خطاً أحمر لم يجرؤ المحافظون أنفسهم على تجاوزه.