
1894 –
1930
بيرو
خوسيه كارلوس مارياتيغي
وُلد خوسيه كارلوس مارياتيغي في 14 يونيو 1894 في مدينة موكِغوا البيروانية، في عائلة ما لبثت أن تعرّضت لضائقة مالية بعد رحيل الأب. وتولّت أمُّه تربيتَه، فكان لها أثر بالغ في تشكيل شخصيته وسعيه إلى العدالة. وعانى مارياتيغي منذ صباه من مشاكل صحية، منها إصابة خطيرة في ساقه رافقته طوال حياته وأدّت في نهاية المطاف إلى البتر. ورغم العلل الجسدية وغياب التعليم العالي، بدأ مبكّراً يعمل صحفياً في ليما، حيث أثبت سريعاً أنه كاتب سياسي موهوب وناقد حادّ للظلم الاجتماعي. ولفتت مقالاته الأولى الانتباه إلى حال السكان الأصليين والعمال، فصار ذلك خيطاً ناظماً لكل نشاطه اللاحق ومسعاه الفكري.
في 1920 أمر الديكتاتور العسكري أوغوستو ليغيا بإبعاد مارياتيغي إلى أوروبا، وهو ما أسهم على نحو لافت في تعميق آرائه السياسية واتساع آفاقه. وأثناء مكوثه في إيطاليا وألمانيا وفرنسا حتى 1923، كان شاهداً مباشراً على صعود الفاشية وعلى تعزّز الحركة الاشتراكية بعد ثورة أكتوبر في روسيا. وفي أوروبا تحديداً تبلورت قناعاتُه الماركسية، غير أنه لم يقبل بالنهج العقائدي للأممية الثانية، إذ كان يسعى إلى إيجاد طريق يلائم أمريكا اللاتينية. وفي أوروبا أيضاً التقى زوجتَه المستقبلية آنا تشيابي التي ساندته حتى أيامه الأخيرة وساعدت في الحفاظ على أرشيفه. وعودته إلى وطنه عام 1923 كانت إيذاناً ببدء أكثر فترات حياته إنتاجية، حين انصهر البحث النظري مع الممارسة السياسية الفعّالة وتنظيم الحركة العمالية.
بعد عودته إلى بيرو، أسّس مارياتيغي عام 1926 مجلة «أماوتا» التي أصبحت المنبر الفكري الرئيسي للقوى اليسارية في عموم القارة. وضمّت المجلة فنانين وكتّاباً وسياسيين سعوا إلى إعادة التفكير في الهوية البيروانية عبر منظور الاشتراكية وثقافة السكان الأصليين. وكان مارياتيغي يصرّ على أن حل مشكلات بيرو يستحيل دون مراعاة تاريخها الممتدّ لقرون وتقاليد شعوبها الأصلية، رافضاً النظرة المرتكزة على أوروبا للتنمية. وانتقد البرجوازيةَ الليبرالية لتجاهلها قضية السكان الأصليين، ورأى أن تحرّر الفلاحين هو مفتاح الثورة الوطنية. وصدرت المجلة حتى 1930، وتركت أثراً عميقاً في الحياة الثقافية والسياسية في أمريكا اللاتينية، وغدت رمزاً للمقاومة الفكرية.
كان إنجاز مارياتيغي النظري الأبرز كتاب «سبع مقالات في تفسير الواقع البيرواني» الصادر عام 1928. وفي هذا العمل الأساسي صاغ مفهومَ الاشتراكية الأصلانية، مؤكداً أن الاشتراكية في بيرو يجب ألّا تكون نسخةً عمياء للنماذج الأوروبية. ورأى المفكر أن التقاليد المجتمعية القديمة للإنكا، المعروفة بـ«آيلّو»، تحوي بذور الجماعية التي يمكن تطويرها إلى منظومة اشتراكية حديثة. وبالنسبة له، لم تكن الإصلاحات الزراعية مجرد خطوة اقتصادية، بل كانت استعادة للعدالة التاريخية وأساساً لبناء مجتمع جديد. وكان يرى أن الاشتراكية الأمريكية اللاتينية يجب أن تكون إبداعاً بطولياً أصيلاً، لا تقليداً، وهو ما جعله من أكثر الماركسيين أصالة في عصره.
وفي مجال التنظيم السياسي، أسّس مارياتيغي عام 1928 الحزب الاشتراكي البيرواني الذي تحوّل لاحقاً إلى الحزب الشيوعي. كما أدّى دوراً محورياً في إنشاء الاتحاد العام لعمال بيرو، إذ سعى إلى توحيد العمال والفلاحين في قوة ثورية واحدة. غير أن علاقاته بالكومنترن كانت متوترة، إذ كان الشيوعيون الأممي يطالبون بالتزام صارم بخط موسكو، فيما كان مارياتيغي يصرّ على الاستقلالية ومراعاة الخصوصيات المحلية. ورغم الضغط الخارجي، واصل تطوير خطه المستقل، مؤكّداً أهمية النضال المناهض للإمبريالية في المنطقة. وقد أرسى نشاطُه التنظيمي قواعدَ الحركة اليسارية في بيرو لعقود لاحقة، رغم القمع الذي تلا ذلك.
استمرت صحة مارياتيغي بالتدهور، وتوفي في 16 أبريل 1930 في ليما عن عمر خمسة وثلاثين عاماً. وثمة رواية بأن سبب الوفاة كان تسمماً أو مضاعفات عقب البتر، لكن الأسباب الدقيقة تظل موضع جدل تاريخي. ورغم قِصَر حياته، تبيّن أن إرثه ضخم وعابرٌ للأنظمة. ويُعتبر خوسيه كارلوس مارياتيغي «أب الماركسية الأمريكية اللاتينية»، ولا تزال أفكاره تُلهم الناشطين الاجتماعيين والسياسيين حتى اليوم. حتى مجموعات راديكالية مثل «الطريق المضيء» حاولت لاحقاً الاستيلاء على اسمه، على الرغم من أن منهجه الإنساني والثقافي كان مختلفاً اختلافاً كبيراً عن أساليبهم الإرهابية. وتُدرَس مؤلفاته اليوم في جميع أنحاء العالم بوصفها مثالاً على التطبيق الإبداعي للماركسية على ظروف الدول النامية وحفظ الهوية الثقافية.