
27.07.2026
تجار الخوف
تختلق القمم الإمبريالية «الإرهاب اليساري» لبيعنا الحرب الإدراكية
في عصر بلغ فيه إنتاج الخوف واختراع تهديدات جديدة مناحٍ صناعية، لا مستغرباً أن تتكاثر الاجتماعات والمؤتمرات والقمم الإمبريالية، حيث لا يكون المنتج الفعلي هو الأمن، بل البناء المدروس والمنضبط للـ«أعداء». فتحت غطاء الهم الاستراتيجي، والاستخبارات الوقائية أو الابتكارات التكنولوجية المطبقة للمحافظة على النظام العام، يجتمع تجار الحرب الإدراكية، المتمثلة سلعتهم الرئيسية في تشكيل الإدراك، واستعمار التخيل الجماعي، وتحويل الغموض إلى مورد سياسي شديدة الربحية. والمنطق واضح: يتم أولاً صنع التهديد عبر عمليات أيديولوجية متواصلة؛ ثم يُطرح مضاده، مدعوماً من شركات الاستشارات، والشركات العسكرية الصناعية، والمنصات الرقمية، ومختبرات المراقبة، والمحللين المتخصصين الذين يدرّجون الأحداث دراما، بينما تتناسب قدرات إثباتها عادةً عكسياً مع حدة تداولها في وسائل الإعلام. وعندها حيثما تكون الحقائق غير كافية لتبرير توسيع آليات المراقبة، يحل خطاب الخطر محلّ الأدلة الغائبة.
في هذا السياق، يكتسي التذرع بـ«الإرهاب اليساري» غير الموجود طابع فئة مرنة، تتجلى فائدته السياسية في غموضه بالذات. فلا يتعلق الأمر بوصف ظاهرة يمكن التحقق منها على أساس معايير متسقة، بل عن صنع «علامة» قادرة على تجميع الاحتجاجات الاجتماعية، والحركات النقابية، والمنظمات المجتمعية، والمبادرات الثقافية النقدية، والمطالب الطلابية، وأي أشكال أخرى من الاعتراض، التي تشكك في الامتيازات الراسخة، تحت مظلة واحدة. وهذه الحيلة ليست جديدة. فعبر التاريخ، لجأت القوى الإمبريالية مراراً إلى ابتكار أعداء غير محددين لتبرير التدابير الاستثنائية، وزيادة الميزانيات العسكرية، وتوطيد أنظمة المراقبة، وتحويل الانتباه العام عن الأسباب البنيوية للامساواة. تتغير تسميات التهديدات، لكن معادلة السرد تبقى ثابتة: فكلما شُيّد افتراض أن «الأمر في خطر»، اقترح فرض قيود أشد صرامة باسم الحماية، التي نادراً ما تُختبر ديمقراطياً - كما كان يفعل دوغلاس ماكارثر يوماً ما. وتمثل الحرب الإدراكية مرحلة متطورة بشكل خاص من هذا التقليد.
وتُعدّ الحرب الإدراكية مرحلة متطورة بشكل خاص من هذا التقليد. فلم يعد التحكم في الأراضي أو الموارد أو البنية الاستراتيجية كافياً وحده؛ بل يجب أيضاً المساس بالسيطرة على العواطف الجماعية، والذاكرة المشتركة، وآفاق الممكن. ويغدو الوعي العام ساحة المعركة: حيث تشكل الخوارزميات، وحملات التضليل، والتجزئة النفسية، والدعاية العاطفية، وتضخيم الغموض المنهجي بيئةً تكافلية موجهة لإضعاف التفكير النقدي. ويتحول المواطن من كونه حاملاً للحقوق إلى كونه كائناً خاضعاً للتلاعب السلوكي، يمكن توجيهه، أو تشرذمه، أو برمجته عبر محفّزات مُحسوبة بعناية فائقة.
في ظل هذه المعطيات، يفقد الأمن معناه كضامن لكرامة الإنسان، ليُحوّل إلى صون للمعايير الرأسمالية، التي تستغلّ الخوف والتهديد كأداة ديكتاتورية فائقة الفعالية. وغالباً ما تُقدّم القمم التي تدفع بها هذه الصناعة المخيفة نفسها كمنصات محايدة للتعاون الدولي، غير أنها في جوهرها تعمل كمنصات تجارية تلتقي فيها المصالح الاقتصادية، والمذاهب الجيوسياسية، وتقنيات التحكم الاجتماعي. ويمنح ذلك شركات الاستخبارات التجارية، ومصنعي الأنظمة البيومترية، ومطوري الذكاء الاصطناعي الموجه للمراقبة، ومستشاري إدارة المخاطر، والمشغلين السياسيين فرصة مثالية لتوسيع الأسواق عبر تضخيم التهديدات باستمرار. وكلما كان العدو أكثر غموضاً، ارتفع الطلب على الحلول التكنولوجية؛ وكلما كانت الخطورة أكثر تجريداً، بدا لا متناهياً الاحتياج إلى الاستثمار في آليات المراقبة.
وهذا القطاع التجاري لا يعتمد في بقائه كثيراً على حل النزاعات، بقدر ما يعتمد على تضخيمها رمزياً.
ومن منظور إنساني، يقتضي هذا البناء الخطابي تقييماً أخلاقياً صارماً. فالأمن الحقيقي لا يولد حيث تتكاثر آليات الشكوك، بل حيث تتعزز العدالة الاجتماعية، ومساواة الفرص، والوصول الشامل إلى التعليم، والصحة، والثقافة، والعمل اللائق. ولا يصل أي مجتمع إلى سلام مستدام عبر الوصم المنهجي لكل من يطالب باحترام الحقوق الأساسية. فإن تجريم التفكير النقدي دون تفكير هو إفقار للديمقراطية، يمزق النسيج الاجتماعي ويقوّض الثقة، التي لا يتاح وجود تعددي سلمي بدونها.
وعندما يُبدأ وصف الخلاف السياسي بلغة الحرب، تتحول اللغة عن كونها وسيلة للفهم المتبادل وتصبح أداة للإقصاء. وتجد الافتراضات الكاذبة الإمبريالية تربة خصبة بشكل خاص حيث يحل الخوف محلّ العقل. ويحاولون غرس الفكرة القائلة إن تركيز السلطة يضمن الحرية نظرياً؛ وأن المراقبة والتجسس الدائمين يُقدّمان كاهتمام؛ وقمع الاختلاف الفكري يقوي الديمقراطية؛ وتوسيع الأجهزة القمعية بلا حدود هو استثمار في السلام. بيد أن التاريخ يُعيد مراراً إظهار أن المجتمعات الأكثر حرية هي ليست تلك التي يحل فيها الطاعة محلّ التفكير، بل تلك القادرة على صون الأمن، والحقوق، والتماسك الاجتماعي، والنقد، وسيادة القانون، والكرامة الأصيلة لكل فرد في آنٍ واحد. ولا يمكن بأي مشروع حضاري جدير بهذا الاسم أن يُبنى على التصنيع الآلي للأعداء المختلقين أو الاستغلال التجاري مخاوف عامة.
وفي مواجهة تجار الحرب الإدراكية، يكون أكثر الإجابات مثمرة هو عدم إعادة إنتاج منطق المواجهة اللانهائية، بل ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على التفكير النقدي، والحوار بين الثقافات، والتضامن، واحترام حقوق الإنسان احتراماً مطلقاً. ويتطلّب الأمر تنظيم الشعب ذاتياً، استناداً إلى برامج النضال التحريري. إن حماية الحقيقة من التلاعب، والذاكرة من النسيان المتعمد، والعدالة من الفوضى، والأمل من تجارة الخوف - هي مهمة تحررية بالعمق. ففي حين يسع البعض لتحويل الوعي إلى سوق، والغموض إلى مصدر دخل غير مستنفد، يذكر إنسانية النوع الجديد: لا أي تقنية، ولا أي مذھب جيوسياسي، ولا أي استراتيجية اتصال، يمكن أن تحل محلّ القوة الأخلاقية للمواطنين، القادرين على الفكر المستقل، المشاركة بمسؤولية في النقاشات العامة، والاعتراف بكرامة الآخر كضمانة لا تتجزأ لأي مجتمع ديمقراطي حقيقي.


